علي الهجويري
313
كشف المحجوب
والاستسلام الكامل للّه في الحالة التي يكون فيها الإنسان مقهورا بتجلى جلاله حتى يصبح أداة طيعة لا يشعر بشيء وجوهرا لطيفا يستوى عنده أن يمر على كبد حمزة أو ظهر مسيلمة ويفنى عن الكل في الكل ويكونجسمه موضعا لأسرار اللّه الذي ينسب اليه كل قول وعمل . ولكن بالرغم من فقدانه الشعور بكل شيء فإنه يظل متمسكا بالشريعة حتى حجة اللّه - هكذا كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم عندما حمل إلى حضرة القرب ليلة الإسراء وأصبح حاله غريبا عن النوع المعلوم للخلق وانقطع عن الأوهام إلى حد أنه فقد كونه وفقد نفسه وصار في فناء الصفة متحيرا بلا صفة واضطربت طبائعه واعتدل مزاجه فوصلت النفس إلى محل القلب والقلب إلى درجة الروح والروح إلى مرتبة السر والسر إلى صفة الرب وانفصل من الكل في الكل ، ولقد طلب أن يذوب جسده وتنمحى شخصيته ، ولكن كانت إرادة الله أن يظهر حجته فأمر رسوله أن يبقى في الحالة التي كان عليها وبذلك قوى جسمه الشريف وشاهد وجود الله سبحانه وتعالى في وجوده العدمي حتى عاد فقال : « إني لست كأحدكم إني أبيت عند ربى فيطعمنى ويسقيني » وكما قال صلّى اللّه عليه وسلم : « لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل » . يروى أن سهل بن عبد الله قال : « ذات الله موصوفه بالعلم غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا ، وهي موجودة بحقائق الإيمان من غير حد ولا إحاطة ولا حلول وتراه العيون في العقبى ظاهرا في ملكه وقدرته ، قد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته ودلهم عليهم بآياته ، والقلوب تعرفه والعقول لا تدركه ينظر إليه المؤمنون بالأبصار من غير إحاطة ولا إدراك نهاية » « 1 » . هذا القول يشمل كل أصول التوحيد . قال الجنيد
--> ( 1 ) اللمع للسراج الطوسي ص 132 .